مصطفى لبيب عبد الغني

15

دور الزهراوي في تأسيس علم الجراحة

الموقف من التراث العلمي : يشيد الزهراوى بفضل السابقين عليه من قدامي أطباء اليونان الذين سبقوه في ميدان العمل الجراحى وفي ميدان الطب عموما « 1 » كما يظهر في كتاباته اطلاعه على تراث الأطباء المسلمين المشارقة - أمثال علي بن ربن الطبري وأبى بكر الرازي - والذين كان يسميهم « العراقيين » ويتفق مع الكثير من آرائهم وأساليبهم « 2 » . وهو يعزو تخلّف مستوى الجراحة في عصره إلى فقدان التواصل مع خبرة القدامى وإلى ما لحق صحيح المعرفة من التضييع بحيث لم يبق منها « إلا رسوم يسيرة في كتب الأوائل قد صحفته الأيدي وواقعه الخطأ والتشويش حتى استغلقت معانيه وبعدت فائدته » « 3 » . وكثير من الإجراءات الضرورية في جراحات بعينها يرى الزهراوى أنه « ينبغي أن نذكر العمل فيه على ما فعلت الأوائل » « 4 » أو يقول مثلا : « فإنني أذكره على نص كلام جالينوس » « 5 » كما يظهر أيضا استفادة الزهراوى من بعض ما ورد بمؤلفات الأطباء المغاربة السابقين . وهو على ثقة من أن إغفال ماضي العلم فيه خطر القضاء على العلم ذاته ، وأن الوعي بتاريخ العلم حافز على التقدم العلمي وأن اغفال التراث السابق هو سمة

--> ( 1 ) من المرجح أن يكون الزهراوى قد عرف ما كتبه ديوسقوريدس ؛ فمن الثابت تاريخيا أن حسداى بن شبروط الطبيب القرطبي اليهودي ومعاصر الزهراوى قد نقل بمعاونة راهب بيزنطى مخطوطة ديسقوريدس المصوّرة النفسية إلى العربية . كما يظهر من كتابات الزهراوى معرفته بتراث أبقراط وجالينوس وبولس الأجانيطى . ( 2 ) يراجع مثلا : ما كتبه الزهراوى في الفصل الثالث والعشرين من الباب الثاني في المقالة الثلاثين . ولقد سبق أن أشار الرازي في موسوعته « الحاوي » ( ح . 1 ص 113 - 114 من طبعة حيدرآباد ) إلى بعض الجراحات الخاصة به ، كما ظهر اهتمامه بالتشريح في نسق الخبرة الطبيّة : فالتشريح هو أول ما يسأل عنه طالب الطب ( كتاب « محنة الطبيب » ص 504 ، من نشرة : زكى إسكندر ، بيروت 1960 ) . وكذلك منافع الأعضاء . ويراجع أيضا : ( كتاب « المنصوري » للرازي ، الفصول : الخامس والسادس والرابع عشر ، بشرح وتحقيق : حازم البكري الصديقي ، والكويت 1978 ) ، وأيضا : P . D . Koning , " Trois traites d ? anatomie Arabe , " Brill , Lyde , 1903 , PP : 36 - 41 , 43 , 45 , 63 - 65 . ( 3 ) الزهراوى : « رسالة في العمل باليد » ، ص 3 . ( 4 ) المصدر السابق ، الفصل الرابع والستون ، الباب الثاني ، ص 439 . ( 5 ) المصدر السابق ، الفصل الخامس والثمانون ، الباب الثاني ، ص 543 .